«إلاّ جدتك، كانت تغني» رواية الإماراتية صالحة عبيد: التاريخ وذاكرة الخليج الموسيقية

سارة سليم
حجم الخط
0

ترى الكاتبة الأمريكية أناييس نن أن «الموسيقى لا تسمح لأجسادنا بالموت، لأن كل أمنية، كل خيال يتنفّس ويتحرّك كما لو كنّا في مكان ميلادنا الأول».
ثم تشرح أكثر تصوراتها عن الموسيقى بقولها: «في المحيط. النغمات تسافر وتطير أبعد كثيراً من الكلمات. لا توجد طريقة أخرى للوصول إلى الأبديّة».
خلقت عبارة نن في نفسي جملة من التساؤلات عن ماهية الموسيقى وما يمكن أن تضفيه لحياة البشر، وهل يمكن أن تمنح صبغة الأبدية على الأمكنة التي انطلقت منها، وهل بإمكانها أن ترصد التحولات التي طرأت على تلك الأمكنة، والسؤال الأهم هل من شأن الذاكرة أن تروي التاريخ انطلاقا من الموسيقى ذاتها؟
ولعلي وجدت إجابة على هذه الأسئلة وغيرها في رواية «إلاّ جدتك، كانت تغني» أحدث أعمال الكاتبة الإماراتية صالحة عبيد، التي عرفت من خلال هذا النص السردي ــ الذي يشكل في حد ذاته قطعة موسيقية ــ كيف تجمع شتى الطبوع الغنائية التي تميزت بها منطقة الخليج، إذ استعرضت سيرة «النهمة « وأشكالها بدءا باليامال إلى الخطفة وصولا إلى الحدادي. كما استعرضت سير النهامين في الإمارات، وكيف يمكن أن تكون «حكاياتهم المتناقلة هي خيطهم الذي يصل» بتعبير الرواية.
كما وثقت جزءا من تاريخ الإمارات من خلال التوثيق لتاريخ الموسيقى، عن طريق استحضار ذاكرة المكان. فهي تعتبر أن «للأشياء ذاكرتها عن ناسها، لكنها لا تملك الصوت لتستطيع أن تسرد علينا ذلك».
ومن خلال التوثيق لذاكرة المكان نستحضر ذكريات من مروا عليه لأن «التاريخ مجرد ذاكرة» بتعبير الرواية، إذ نسجت الكاتبة من الذاكرة قصص سردتها روائيا من دون أن تفلت السرد أو تضيع منها خيوط الحكاية الأولى، حكاية الجدة عذيجة التي تعرفها الرواية على أنها هي الموسيقى. الجدة التي كانت تغني في مجتمع يرى في كل من يمتهن الغناء والرقص خارجا عن حدود الأدب والحشمة، وبالتناقض ذاته يتفاعلون مع الغناء حين يحضر في الأفراح بكثير من البهجة.
هذا التناقض تناولته الرواية بشيء من العمق الأدبي واللغة الجميلة التي تميز كتابات صالحة عبيد، وهي التي عودتنا بفتنة مطاردة التفاصيل التي منها تبعث بحكاياتها، حكايات لها أصل في الواقع وشراكة مع الخيال الذي يعرف كيف يرفع الستار عن شخصيات الهامش حين يخلدهم، وحين يحفظ صورهم، ويحافظ على أفكارهم وأصواتهم وكل ما كانوا يؤمنون به، وحين يعيد عبر الأدب بعث حكاياتهم من جديد.
في عبارة وردت على لسان مروان (إحدى شخصيات الرواية) يجيب فيها عن سؤال طرح عليه: «الشقاء هو حريتي»، فبقدر ما تحمل إجابته الكثير من العمق بقدر ما تفسر جوهر الحرية، وأن الإنسان يختار في نهاية المطاف حريته وإن كلفته غاليا. ذلك أنها ما يمنحه صوته، وهذا النص قائم على سحر الصوت وقوته في أن يخلد صاحبه.
تتساءل الرواية هل تمتلك الأصوات وجهات نظرها الخاصة؟
وعودة لمروان فإنه ليس شخصية جامدة، تتفاعل مع الأشياء من زاويتها الضيقة، بل منفتحة على العالم بكل ما يحمله من اختلاف. ولعله السبب الذي جعله متحررا من كل الأفكار التي قد يتخذها المجتمع سبيلا لتقييد نظرتنا للفن، إذ إن ملاحظاته العابرة تفسر عمق رؤيته، فخلال متابعته لجملة التغيرات التي طرأت على مدينته وكيف غيرتها الحداثة يتساءل: «هل يجب أن يتحوّل الماضي لقطع إكسسوار متناثرة، لكي تستمر المدن بالنمو، أم أن المدينة التي تفقد ذاكرتها بالتدريج هي ما تحدث فيها مثل هذه الأمور؟».
ونجد على الجانب الآخر شاهين وما أصبحت عليه الموسيقى في أيامه، وفخره بإنجازاته التي لم تخرج عن مسار جدته، لكن بشكل مختلف، فالجدة عذيجة رفضت أي إضافات على العود والطيران.
من خلال حكاية شاهين، نتبع حكاية الفنان الذي يعيش الفن بكل جوارحه ضمن فئة من المجتمع تنكر قيمة الفنان، بل لا تعترف به من الأساس. هذا التوتر الذي وجد شاهين نفسه فيه لم يزده إلاّ إصرارا على أن يواصل في طريقه، ولكن القيود التي تخنق الفن لها دائماً يد في محو الجمال، لذا كانت نهايته على يد ابن عمه خالد.
لكن في المقابل بذرة الموسيقى التي تركها انعتقت من كل شيء، فلا أحد بإمكانه الانتصار على الفن إلاّ الفن ذاته. يقول: «الموسيقى والأغنية، كلَّما غنّاها شخص مختلف، بصوته الجميل الخاص، فإنه يجد جزءا من روحه كان مفقودا، قطعة تأتي لتملأ الخواء». ويواصل: «نولد كخواء تام، وعاماً بعد آخر ينجو البعض منه، بأن يجدوا قطعاً تملأ الفراغ فيما يعيش البعض الآخر، في خواء مريح، لا يهمهم فيه أن تكون لهم أي فرادة أو صوت». لعل البعض يبقى بذلك الخواء حتى نهاية العمر دون أن يكتشف القطعة الناقصة منه أو يفكر حتى في البحث عنها لأنه لا يعرف بوجودها في الأساس، لذا يحاول وفق قانونه الخاص أن يقتلعها من غيره بشتى السبل. وهنا تتحدث الرواية عن النبذ الذي تشعرنا به العائلة أو ربما المحيط القريب منا لمجرد أننا نفكر بطريقة مختلفة، أو ربما لأننا نحلل الأمور من زاويتنا الخاصة. كما أنها تبحث في الموسيقى كخلطة سحرية تمنح البشر وصفة الخلود، ألم تقل الرواية: «تبدى للموسيقى حتى تمنح راحتك الأبدية» وتؤمن بأنها: «القدر المشترك» لمن عرف كيف يعثر على الطريق إليها.
تمتلك إحدى شخصيات رواية  «إلاّ جدتك، كانت تغني» فلسفتها الخاصة فيما يتعلق بالأحلام، إذ تعتبر أن «الأحلام رسائل الأرواح»، وهي عبارة تحمل من العمق ما يجعلنا نتساءل عن جدوى الأحلام، وكيف يمكن أن تمتلك تلك المقدرة العجيبة في جعلنا نفكر فيما لا نستطيع فهمه ولا حتى تفسيره. فالروح بتعبير لويز غلوك: «صامتة وإذا تحدثت فإنها تتحدث في الأحلام»، والحلم كما تعرفه الرواية هو رسالة قد نفهم مضامينها أو لربما سنمضي عمرا كاملاً في محاولة فك ألغازها. وأحياناً  تتداخل الأحلام التي لا نمتلك السبيل إلى تفسيرها مع تلك التي نسعى من ورائها إلى تحقيق طموحاتنا.
هكذا تعبر الرواية عن الحلم، إنه ذلك الشيء الذي تمتزج فيه أحلامنا الشخصية بأحلامنا الأخرى في واقع نحاول أن نسير فيه بقوة الحلم، لأن من لا يحلم يصاب بالعجز باكراً وتتوارى الحياة بعيدا عنه بدون أن يتمكن من ترك أثره الحقيقي، أثر كالذي تركه شاهين ومروان والجدة عذيجة وموزة.
تقف الرواية عند حدود التناقض عند بعض من يبتهج لسماع الموسيقى وفي الوقت ذاته يرى فيها عارا لا يمكن السكوت عنه عند الرجال والنساء على حد سواء، انطلاقا من عذيجة جدة شاهين، هذه الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث كونها شكلت نقطة تحول في مجتمع يكاد ينبذ الفن. وإلى جانب الجدة عذيجة نتابع شخصية موزة وعلاقتها بالموسيقى، إذ وصفت الرواية الأغنية بأنها جسد «موزة وحضورها بالنسبة إلي وصدقيني، كان جسداً حقيقياً، الجسد ذاته الذي صارت الأغنية ذاتها وسيلة تعبيره الأولى عن نفسه، وقد كان جسداً حقيقياً من لحم ودم». في حين عبرت الرواية عن الرقص بأنه: «أول تعريف للإنسان عن فهمه لجسده». إذن، الرقص هو الآخر موسيقى نابعة من الجسد، إذ: «يولد البعض وأجسادهم هي الموسيقى نفسها» بتعبير الرواية.
من يقرأ نصوص صالحة عبيد الروائية ينتبه إلى نقطتين مهمتين تسيران بالتوازي ذاته في كتاباتها، أولاً مسار الرواية بوصفها فنا قائما بذاته ولا يمكن ابتذالها وكتابة كل ما نعتقد أنه سرد تحت غطائها، هذا الفن لا يحتمل إلاّ الفن ذاته بنفس الدرجة من الاتزان واستخدام الأدوات الأدبية التي يقتضيها الأدب الجيد. والمسار الثاني هو الانتصار للقصة المحلية بوصفها النقطة الأساس التي ينطلق منها كل ما نسميه لاحقا أدبا عالميا. ذلك أن الأدب العالمي هو في المحصلة أدب محلي عرف كيف يحكي حكايته بما يتوافق والمعايير الفنية والجمالية، وهذا ما نجحت فيه صالحة عبيد حين استحضرت بيئتها الأصلية وما يميزها وحولت ذلك إلى رواية تقرأ الماضي انطلاقا من الحاضر ذاته، وكأنها بالكتابة تنتصر للصورة الغائبة عن الأذهان في الفن الخليجي نهاية السبعينات وبداية الألفينيات.
هذا الاستحضار تخليد للتراث والموسيقى الخليجية، وانتصار للفن الذي يسعى دائماً لأن يقول كلمته.

صالحة عبيد: «إلاّ جدتك، كانت تغني»
منشورات المتوسط، ميلانو 2025
255 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية