إسرائيل وهي «تعبث» بالأغوار

الإجراءات العسكرية التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي في منطقة الأغوار، وعلى أكتاف الحدود الطبيعية التي تصل ولا تفصل الشعبين الأردني والفلسطيني عن بعضهما البعض، لا يمكنها أن تكون إجراءات «اعتيادية» من الصنف الذي يمكن التغاضي عنها والسكوت عليه من جهة الشعب الأردني.
تلك إجراءات «عدائية» بامتياز لا بل فيها مخالفة جديدة وصارخة ووقحة لاتفاقية وادي عربة تستوجب أن تقف عندها الحكومة الأردنية بما يليق بها من احتقار وازدراء لا بل حتى من رفض ومقاومة.
لا تصلح مقولات التكيف والمسايسة والتعايش والمجتمع الدولي في مثل هذا الموقع، وتحصين الجبهة الداخلية صدق من قال إنه «السلاح الأقوى» تزامنا على الأقل مع الإيمان بوقائع الحال والتوقف رسميا وأهليا عن إنكار المخاطر.
الاحتلال لم يقف عند حدود سعيه لـ«ضم الأغوار» بل «يعسكر المنطقة « بطريقة استعلائية واستعراضية كما لم يحصل من قبل مما يحيل اتفاقية وادي عربه فعلا لمجرد ورقة يعلوها الغبار مرمية في متحف السلام، وهي ورقة يمكن إغراقها في المياه الساخنة ثم ابتلاعها لأنها بلا قيمة حقيقية تردع خطط الاحتلال، خصوصا بعدما أسقط الحليف الأمريكي كل منظومة القانون الدولي وعلنا.
ما يجري في الأغوار مريب ومقلق مع أن الحكومة الرشيدة الحالية لا تشير إليه ولا تتحدث عنه.
لا يقف الأمر عند حدود تهيئة الأرض التلامسية حدوديا بتفجير الألغام فيها لأسباب مريبة، بينما ينبغي أن تبقى تلك الألغام في العرف العسكري لأنها الحاجز الطبيعي المنطقي في مواجهة ما يقول العدو إنه تسلل محتمل من الأراضي السورية عبر الأردنية إلى الأرض المحتلة.
من يشك بتسلل مقاتلين من سوريا عبر الأغوار الشمالية يبقي الألغام ولا يزيلها فجأة وبدون تنسيق ودفعة واحدة، مما يعني أن واقعة تفجير الألغام مريبة للغاية، وقد يكون هدفها فعلا «ترحيل الفلسطينيين» وتحريكهم ديموغرافيا مع تذكير الجانب الرسمي بأن الرئيس دونالد ترامب سبق أن طالب الأردن علنا بـ«تخصيص بعض قطع الأراضي» لاستقبال فلسطينيين.
نعم الكيان يمارس حصارا جيوسياسيا على الأردن وضده، والبداية من تغيير واقع الحال الميداني في الأغوار بذرائع ومبررات واهية ومفبركة تختبئ خلف الأمني لإنتاج واقع جيوسياسي جديد يتكفل مسار التكيف والانغلاق على الذات بتمريره لا بل بخدمته للأسف.

العدو يعبث بالوقائع الحدودية والجغرافية والأمنية بصيغة تلحق ضررا بالغا بالأمن الحدودي والقومي الأردني

جيش العدو أيضا نفض التراب من مواقع ساقطة أمنيا في العرف العسكري كانت تسمى بـ« المخابئ».
وضع معدات في تلك المخابئ على خاصرة الأردن وسوريا مريب أكثر، فيما اختار الاحتلال اسم قرية أردنية قديمة هي «جلعاد» لإطلاقه على الفرقة العسكرية التي أسسها مؤخرا بحجة أن» المخاطر كبيرة من جهة الشرق».
من سرق الفلافل ووجبة المسخن وقدمهما في مطاعمه بالعالم بصفة قائمة طعام يهودية لن يتوانى عن التخطيط لسرقة «المنسف» يوما ولا يوجد ما يردعه عن التفكير بالسطو على «البوتاس» ومعادن الأردن الثقيلة في مناطق الأغوار أو من الطمع بجبال السلط.
العدو يسرق اسم قرية أردنية حتى «يهددها» لاحقا والمسار الإجرامي للكيان يجعل مقولات محددة يطلقها بعض ساسة عمان بخجل هذه الأيام لها محل في الإعراب السياسي، حيث أحلام الموتورين في تل أبيب تريد ما يرد في نشيط الليكود «من النيل إلى الفرات».
لا حدود لـ«طمع الكيان» والصداقة مع الولايات المتحدة والشراكة مع أوروبا لا تضمنان شيئا للأردن ومصالحه وصدق من قال علنا مؤخرا بأن اليمين الإسرائيلي لا يخطط كما يرى السذج لـ«الوطن البديل» بل يريد «الوطن الأصيل» ويستهدف كل دول الجوار.
إسرائيل حفرت خنادق على طول واجهة الحدود في عمق الأغوار وزادت كثافة مراكز إطلاق النيران في المنطقة، ونصبت مجسات تجسس ورادارات وفجرت الألغام وتهندس الأرضية لبناء جدار عازل وتوحي للعالم بأن الأردن يهدد جبهتها الشرقية وهو ما قاله شخصيا المجرم الدولي بنيامين نتنياهو.
غير معقول أن كل ذلك يحصل يوميا بدون سبب أو بسبب خرافات عن اختراقات أمنية على حدود فلسطين المحتلة التي بقيت الأكثر أمنا وثباتا ومنذ أكثر من نصف قرن.
الاحتلال يبدل ويغير في الوقائع على الأرض في الأغوار ولديه أجندة خبيثة وخطيرة تقتضي قرع كل أجراس الإنذار الوطني الأردني.
لا نصدق إطلاقا أننا كأردنيين لا نملك بدون مغامرات الأوراق التي يمكن التصدي بواسطتها للتغيير الحدودي الذي يمنهجه العدو اليوم لضمان الترانفسير والتحريك الديمغرافي غدا.
الأوراق التي قيل لنا على مدار سنوات أنها متاحة ويمكن استعمالها آن أوانها اليوم، وإلا ستلتهم أطماع العدو مصالح الأردنيين، وستخلط الأوراق وسط أهلنا في الضفة الغربية بطريقة تجعل التفاوض على أي جزئية صغيرة بحد ذاته مكسبا بما ينطوي عليه ذلك من تدمير للمصالح الوطنية العليا أو من إرهاق للأردنيين شعبا ودولة.
العدو يعبث بالوقائع الحدودية والجغرافية والأمنية بصيغة تلحق ضررا بالغا بالأمن الحدودي والقومي الأردني الوطني، ومن ينكر ذلك الآن لأي سبب أو ذريعة إما جاهل أو يدعي الجهل ويخدم مخططات العدو.

إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية