بيروت – «القدس العربي»: يتصاعد القلق اللبناني من انزلاق الأمور أكثر فأكثر نحو مواجهة شاملة، لا سيما مع تواتر المؤشرات التي تنذر باجتياح بري قد لا يتوقف عند حدود الليطاني أو المنطقة العازلة المفترضة بعمق 10 كيلومترات خصوصاً بعد توجيه المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي قرى جنوب نهر الزهراني بإخلائها ما أدى إلى حركة نزوح في اتجاه صيدا، وإعلان «القناة 12» الإسرائيلية، «أن حكومة بنيامين نتنياهو حذّرت حكومة لبنان عبر وسطاء إما كبح جماح «حزب الله» أو سنهاجم منشآت مدنية».
وتأتي هذه المستجدات بالتوازي مع إعلان «حزب الله» إطلاق عمليات «العصف المأكول» ضد إسرائيل، ومضاعفة استهدافاته العسكرية والصاروخية كماً ونوعاً.
وسط هذه الأجواء، أعلن جيش الاحتلال أن سلاح الجو بدأ موجة من الضربات ضد البنية التحتية في جميع أنحاء بيروت، وفي هذا الإطار، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى في الباشورة في قلب بيروت بعد توجيه إنذار لسكان الحي ما أثار الهلع والذعر لدى أهالي المباني المجاورة الذين هرعوا إلى ساحة الشهداء وساحة رياض الصلح. كذلك تم توجيه إنذار إلى منطقة زقاق البلاط حيث يوجد فرع لجمعية «القرض الحسن».
واستمرت الغارات جنوباً وبقاعاً حيث وجّه الجيش الإسرائيلي قبل الظهر، إنذاراً عاجلاً إلى سكان أحد المباني في بلدة قصرنبا الواقعة غرب بعلبك بين تمنين وبدنايل للمغادرة فوراً. وعلى الاثر، شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على المبنى المهدد في بلدة قصرنبا، وأغار ايضاً على دورس وعين بورضاي عند اطراف بعلبك.
غارات على الضاحية
وشهدت الضاحية الجنوبية ليلة قاسية من الغارات، قبل أن تستأنف بعد ظهر أمس ويستهدف محيط ملعب الراية ومبنى كلية العلوم في الحدث حيث استشهد مدير كلية العلوم في الجامعة اللبنانية الدكتور حسين بزي والدكتور مرتضى سرور، وأفيد بأن بزي يحمل شهادة في علم النانو، فيما يُعد سرور من أبرز خبراء الفيزياء في لبنان.
وعلق الرئيس اللبناني جوزف عون على استهداف الجامعة اللبنانية معتبراً الاعتداء انتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية. وقال: إن الاعتداءات الإسرائيلية على المؤسسات المدنية تحمل المجتمع الدولي مسؤولية وضع حد لها.
استهداف خبير في علم النانو وآخر في الفيزياء وإنذار كبير بإخلاء «جنوب الزهراني»
وزعم الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن جيش الاحتلال «رصد ودمّر عشرات منصات الإطلاق إلى جانب تحييد عدد من مخربي «حزب الله» الذين كانوا يخططون لإطلاق صواريخ نحو أراضي دولة إسرائيل».
وقال «أغار الجيش الإسرائيلي على 10 مبانٍ في الضاحية تُستخدم كمقرات لـ«حزب الله» خلال نصف ساعة، من بينها مقرات استخبارات، ومقر تابع لوحدة الرضوان، إلى جانب مقرات أخرى. وبالتوازي مع ذلك، أغار سلاح الجو على أكثر من 20 هدفًا في الوقت الحقيقي ضمن إغلاق دائرة نيران فوري». وكتب أدرعي في منشور آخر: «تعمل قوات لواء الجبال (810) بقيادة الفرقة 210 في عدة نقاط في منطقة جبل دوف (روس) بجنوب لبنان بهدف تعزيز خط الدفاع لحماية سكان شمال إسرائيل». وختم «في إطار نشاطها عثرت قوات اللواء على مواقع مكوث ومنصات إطلاق ومستودعات لوسائل قتالية تابعة لـ«حزب الله» شملت قذائف هاون ووسائل قتالية إضافية. وقد قامت القوات بتدمير جميع الوسائل القتالية التي تم العثور عليها».
الرملة البيضاء
وطالت الغارات الإسرائيلية كورنيش الرملة البيضاء فجراً باستهداف سيارة متوقفة على الكورنيش بصاروخين ما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء، ساد الهدوء نهاراً وأخلى الجيش اللبناني المنطقة بعدما تبيّن أن صاروخاً لم ينفجر في الرملة البيضاء. في وقت زعم الجيش الإسرائيلي «اننا قتلنا قائداً بالحرس الثوري الايراني عمل في وحدة الصواريخ الباليستية التابعة لحزب الله» في بيروت.
وعبرت إيمي بوب المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة أمس الخميس عن «قلقها البالغ» إزاء تقارير تفيد بأن غارة جوية استهدفت نازحين في بيروت، مما أسفر عن مقتل ثمانية وإصابة العشرات.
وقالت المنظمة في بيان نقلاً عن بوب «ينبغي ألا يتم استهداف المدنيين والأعيان المدنية عمداً، كما يتعين ألا تكون أماكن إيوائهم والبنية التحتية ذات الصلة هدفاً للأعمال العدائية العسكرية». وأضافت أن أكثر من 800 ألف شخص نزحوا في لبنان بعد أن صدرت أوامر إخلاء واسعة النطاق، مشيرة إلى أن حوالي 125 ألف شخص يقيمون حالياً في ملاجئ تديرها الحكومة.
وأشار مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة، إلى أن الغارة على الرملة البيضاء في بيروت أدت في حصيلة أولية إلى استشهاد 8 مواطنين وإصابة 31 بجروح. وكان جيش الاحتلال ادعى القضاء على قائد منطقة جنوب لبنان في قوة «الرضوان» بعد مهاجمة منطقة حاروف.
كذلك، أغارت مسيرة إسرائيلية على سيارة تابعة للدفاع المدني في الهيئة الصحية في التامرية عند أطراف بلدة تولين ما أدى إلى وقوع شهيد و4 اصابات. وطالت الغارات بلدات: قعقعية الجسر، باريش، تولين، ياطر، رشاف، السلطانية، الناقورة، الطيبة، كفردونين، الجسر الواقع عند أطراف بلدة القنطرة ووادي الحجير، وتفاحتا ما أسفر عن سقوط ضحيتين هما رجل وزوجته.
وتوجهت فرق من الدفاع المدني التابع لـ«كشافة الرسالة الإسلامية» إلى مكان الغارة الإسرائيلية في بلدة برج الشمالي، والتي أسفرت عن سقوط 4 شهداء من آل زلغوط، لإزالة الردم وفتح الطريق أمام المارة والسيارات.
في قضاء عاليه، سُجّل استهداف لمنطقة عرمون بغارتين ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة طفل بجروح عندما استهدفت مسيّرة شقة سكنية في محيط المشروع الكندي في عرمون الضيعة، وأفيد بأن الغارة هي اغتيال لشخصية، وقد حصل إشكال غداة الغارتين.
صواريخ «حزب الله»
في المقابل، أعلن «حزب الله» في سلسلة بيانات أن عناصره «استهدفت مقر وحدة المهام البحرية الخاصة «الشييطت 13» في قاعدة «عتليت» جنوبي مدينة حيفا بصلية من الصواريخ النوعية». كما استهدف مستوطنة نهاريا مرتين بسربٍ من المسيرات الانقضاضية وبصلية من الصواريخ، وقاعدة «بيت ليد»، وهي قاعدة عسكرية تضم معسكرات تدريب للواء «الناحال» ولواء المظليين، بصلية من الصواريخ النوعية.
«حزب الله» هاجم بـ200 صاروخ قواعد عسكرية ومراكز حساسة للعدو بعد إعلان «العصف المأكول»
وأشار «الحزب» إلى استهداف قاعدة «غليلوت» مقر وحدة الاستخبارات العسكرية 8200، الواقعة على بعد نحو 110 كلم من الحدود اللبنانية الفلسطينية في ضواحي مدينة تل أبيب، بصلية من الصواريخ النوعية.
وشمل الاستهداف ثكنة «يعرا» بسرب من المسيرات الانقضاضية، وقاعدة «ميرون» للمراقبة وإدارة العمليات الجوية ما أسفر عن إصابة أحد الرادارات في القاعدة.
كذلك أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لجيش العدو في موقع «مركبا» المستحدث بقذائف المدفعية.
«اليونيفيل» قلقة
وأعربت «اليونيفيل» عن قلقها البالغ إزاء التصعيد الخطير للأعمال العدائية على طول الخط الأزرق الليلة الماضية. وقالت في بيان «رصدت قوات حفظ السلام إطلاق أكثر من 120 مقذوفاً من الأراضي اللبنانية في اتجاه إسرائيل، وكذلك رصدت سبع غارات جوية إسرائيلية وأكثر من 120 حادثة قصف مدفعي رداً على ذلك. تُعد جميع هذه الأعمال انتهاكات جسيمة للقرار 1701».
وأضافت «يتسبب التصعيد الأخير على طول الخط الأزرق مجدداً في نزوح مئات الآلاف من السكان، وتدمير واسع النطاق للأحياء والقرى. وتشير التقارير إلى مقتل المئات وإصابة آخرين. وكما هو الحال دائماً في النزاعات، فإن المدنيين هم الأكثر تضرراً»، مؤكدة «أن قوات حفظ السلام لاتزال متواجدة على الأرض، وتراقب التطورات وتُبلغ عنها بحيادية، وتنسق بين الأطراف، وتُسهّل – حيثما أمكن – تقديم الدعم الإنساني وحماية المدنيين».
وختمت «اليونيفيل» بيانها «نواصل حث الأطراف على إنهاء الأعمال العدائية، والالتزام مجدداً بالتنفيذ الكامل للقرار 1701، من أجل سلامة وأمن المدنيين على جانبي الخط الأزرق.
إن اليونيفيل على اتصال وثيق مع المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين، ونحن على استعداد لدعمهم في هذا الأمر، بأي طريقة ممكنة».
عون والشرع وماكرون
إزاء هذا الواقع الميداني الخطير الذي أرخى بثقله الأمني على المشهد السياسي العام، تكثفت المساعي والاتصالات وأبرزها الاتصال الثلاثي بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون والرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تشاور خلاله الرؤساء الثلاثة في الأوضاع الراهنة في لبنان والمنطقة في ضوء المستجدات الأمنية المتسارعة. وقيّموا ما يجري من تصعيد أمني واتفقوا على إبقاء التواصل فيما بينهم لمتابعة التطورات.
ومن تل أبيب، أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر «أن إسرائيل مستعدة للحوار مع الحكومة اللبنانية، لكن الحوار وحده لا يمكنه وقف إطلاق النار من الأراضي اللبنانية». ورأى «أن «حزب الله» هو أكبر عقبة أمام تحقيق علاقات سلمية طبيعية مع لبنان». وقال «ليس لدينا نزاعات دراماتيكية مع لبنان نفسه. لدينا بعض النزاعات الحدودية المستقبلية حول التفاصيل الدقيقة. المشكلة الرئيسية كانت ولا تزال حزب الله».
الوفد اللبناني المفاوض
وفيما يتعلق بمبادرة الرئيس اللبناني حول إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ذكرت قناة «الجديد» أن «لبنان يتحضر للتفاوض عبر الطرف القبرصي ويتوقع الحصول على الرد في الساعات المقبلة». ولفتت إلى «أن الوفد اللبناني إلى قبرص تحضيرًا لاحتمال التفاوض مع إسرائيل يضم الدكتور بول سالم وأمين عام وزارة الخارجية عبد الستار عيسى وشخصية درزية لم يُحسم اسمها بعد بين حليم أبو فخر الدين أو سفير لبنان السابق في روسيا شوقي أبو نصار. ولم يوافق الرئيس بري على تضمين الوفد لشخصية شيعية انطلاقاً من تمسكه بلجنة الميكانيزم آلية للتفاوض إلى حين وقف إطلاق النار».