إذا كان عاجبكم

هي موجة عالمية عارمة لإرضاخ شعوب العالم، هو انقلاب كوني على مفاهيم الديموقراطية والمساواة وحق الشعوب في حكم نفسها. تمر البشرية اليوم بمرحلة ارتجاعية، ارتدت فيها هذه البشرية عن المفاهيم الإنسانية وعن كل التطورات الفكرية التي أحرزتها إبان مسيرتها الطويلة من المرحلة البدائية إلى المرحلة «الحضارية» الحالية. لقد بدأت هذه الرّدة تتجلى بوضوح منذ سنوات، لربما تزيد عن العشر، إلا أنها أخذت منعطفاً خطيراً مؤخراً، تزامناً مع حرب الإبادة الوحشية على غزة، منعطفاً يقصر الطريق على حكومات العالم ويصل بها سريعاً إلى الحكم الشمولي المطلق. لقد فتحت الوحشية الصهيونية أبواب الشهوة الشمولية، لتتحرك حكومات العالم، في ارتدادة خطيرة ومفصلية عن كل التطورات الإنسانية الحضارية، عودة إلى ديكتاتورية شمولية مرعبة تصورت البشرية أنها تجاوزتها إلى غير رجعة.
ضربت إسرائيل المدنيين، وخصوصاً الأطفال منهم، في المستشفيات والمدارس والمخيمات ومراكز توزيع المساعدات والكنائس والمساجد، لقد اعتدت إسرائيل على الأبرياء في عملية إبادية وحشية غير مسبوقة في أكثر الأماكن مدنية وقداسة، أماكن ما كان يمكن تصور أن يتجرأ أحد، مهما بلغت وقاحته بالاعتداء، على مرتاديها وساكنيها. لكن إسرائيل فعلت، والحكومات الكبرى صمتت بل وقمعت الصوت الشعبي الرافض لمجزرة وحشية كهذه، فماذا كانت النتيجة؟ حين رأت بقية حكومات العالم قمعاً كهذا وصمتاً كهذا، تَمَهّد أمامها طريق الحكم الشمولي الذي كانت تخطو عليه أصلاً ببطء وهدوء، لتنطلق بعد هذه الحرب الشرسة الإبادية، التي لم تجد أمامها «إنساناً» يوقفها، والتي فتحت الشهية الغرائزية للعنف والتسلط والقمع، بخطو أسرع وأعلى صوتاً وأكثر شراسة باتجاه الصوت الواحد والشمولية الكاملة.
ولا تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً وحِدّة عنها في منطقتنا الشرق أوسطية. ففي موجة هادرة موحدة، تنطلق الحكومات الشرق أوسطية، تباعاً للحكومات العالمية، للخلف در، عائدة بمفاهيم الديموقراطية والمشاركة الشعبية في الحكم قروناً إلى الوراء. تراجَع الفقير الشحيح أصلاً من الديموقراطيات الشرق أوسطية إلى الخلف، وضمرت المشاركة الشعبية وتأثير القوى والمؤسسات المدنية، وعم نوع من الخوف الطاغي الذي من شأنه أن يشل العقل والبدن، خصوصاً بعد رؤية كيف أن كل من تكلم أو اتخذ موقفاً اليوم تم التنكيل به، وأن كل منكل به متروك لمصيره، لا صوت شعبي يحتج من أجله، ولا موقف عام يُتّخذ دفاع عنه. بل إن الوضع اتسع لأكثر من ذلك، حيث ما عادت الحكومات تحاول حتى إخفاء أو تجميل سياساتها، بل أصبح الوضع «على عينك يا تاجر»، و»إذا كان عاجبكم»، وعندكم الخليج والمحيط تشربون منه. ولا أوقع وأكثر إفزاعاً من قصة الناشط المصري علاء عبد الفتاح، ومن صورة والدته الدكتورة ليلى سويف، بعد إضرابها المفزع عن الطعام احتجاجاً على حبس ابنها الذي يقترب زمناً من الثلاثمئة يوم، ويقترب بالدكتورة شكلاً إلى هيكل عظمي هو شاهد على ما يمر به إنسان اليوم في عالم اليوم تحت سلطة حكومات اليوم.
وعلى الرغم من «النجاحات الشمولية» التي تحققها حكومات العالم وخصوصاً في منطقتنا العربية، فإنها في نشوة انطلاقتها الانتصارية تلك، باتت عاجزة عن رؤية الخطر المحقق والضرر الجسيم لهذا التوجه التراجعي. إن هذا الإخماد الحزين لشعلة الحماسة الشعبية ولو تجلت هذه الحماسة في صورة معارضة مزعجة أو غضب فوضوي، هذا السحق للرغبة الشعبية في المشاركة في الحياة السياسية والمدنية، هذا التثبيت للخوف حتى يُبلع اللسان، وهذا الإمعان في كسر الرقبة حتى لا تتطلع للأعلى، هذه الخلخلة المستمرة للركبتين حتى يحتاج أصحابها للاستناد دوماً إلى الحائط وبالتالي المشي المستكين في ظله، كل هذا من شأنه أن ينتج إنساناً خاوياً ضعيفاً خائفاً حزيناً، إنساناً خالياً من الشغف والطموح والرغبة في الإنتاج، إنساناً مسيّراً لا رأي له، وبالتالي لا رؤية لديه، ومن ثم لا دافع يدفعه نحو الإبداع والإنتاج.
إن الديموقراطية والمشاركة الشعبية وتحرير الصوت المعارض وتمكين الشعب من حكمه لنفسه، ليست تلك مكتسبات للعامة فقط، ولا حقوقاً حداثية لإنسان الدولة المدنية، إنما تلك أدوات تصنع الشخصية وتشكل الصوت وتنمي التفكير وتزرع الاهتمام، حيث الاهتمام هو مفتاح الإبداع، وتشعل الحماسة حيث الحماسة حياة الشعوب، لينتهي كل ذلك إلى مكتسبات مدنية عظمى تدفع بالدولة الحديثة إلى الأمام، ما يقوي حكوماتها ويشد من أزر سياساتها ويجعل لها مكاناً بارزاً على الخريطة العالمية. لربما المال والموارد والجيش والأسلحة ستسند الدولة إلى حين وتضع لها مكاناً على الخريطة العالمية، لكن هذا المكان سيكون مؤقتاً، وسيبقى مهدداً ما دامت القيمة البشرية مهددة داخل هذه الدولة، وما دام المورد الإنساني مهملاً ومستباحاً.
بلا شك، الديموقراطية وحرية الرأي والصوت المعارض وإشراك الشعب في حكم نفسه… كلها ممارسات متعبة، تبطئ الحركة وتنتج بعض الفوضى وتبرز بعض التطرفات، ولربما تنتهي إلى بعض الأضرار المادية والمعنوية، لكن فوائدها، دون أدنى شك، تجب كل أذى أو تعب. لكل شيء ثمن، وثمن صنع الإنسان الحر يتجلى في شيء من التعب والتعطيل والأخذ والرد، ثمن الإفساح للصوت المعارض يتجلى في شيء من الفوضى والتشويش، إلا أنه أفضل وأوقع ثمن يمكن أن تدفعه الحكومات «أزين» ما تصرف عليه المؤسسات السياسية، ذلك أنها مقابل ثمن زهيد كهذا ستنتج إنساناً قوياً حراً متحمساً مبدعاً، يعطلها أحياناً باحتجاجاته ولكنه يدفع بها دائماً في اتجاه واحد، إلى الأمام.
لتكن المعارضة ما تكون، ولتتشكل الغضبة كيفما تتشكل، وليعلو الصوت حد ما يعلو، إنما تلك كلها أعراض صحية للإنسان الحر المنتج، وبالتالي للشعب المتحمس الحاضر لزمانه ومكانه، وإنما أضرارها مجرد تلفيات تبعية لخير كثير ونجاح كبير. ينسى البعض كل ذلك، ليذهبوا، في عارض نقاشهم حول المعارضة، إلى تقييم نوعيتها ومدى نجاحها في الحيز العربي، إلى تثمينها على أساس مدى تواؤمها ومجتمعاتنا المحافظة الأبوية، أو مدى مهادنتها للحكومة، وينسون أنها ضرورية ومفيدة للمجتمع الصحي مهما كانت طبيعة ممارساتها وأفكارها، مهما كانت متحررة ومتضاربة مع الآراء الحكومية، بل ومتطرفة أصولياً، بل لربما أَدّعي أن السيئ منها مستحق ومهم كما الطيب المؤثر الإصلاحي منها. لكننا ننسى ذلك في حواراتنا، فنترك قميص الموضوع ونمسك بياقته، نترك حقيقة الأهمية البقائية للصوت المعارض ونمسك بتفصيلة تقييم الصوت المعارض. نحن أعداء أنفسنا في هذه البقعة من الدنيا، ولربما نحن أفضل حلفاء للشمولية التي تجتاحنا اليوم. ليتنا وحكوماتنا نعي قبل فوات الأوان.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية