إثيوبيا تدشن سدّاً ضخماً لتوليد الطاقة الكهرومائية رغم معارضة مصر الشديدة

حجم الخط
0

نيروبي: افتتحت إثيوبيا رسمياً، الثلاثاء، أكبر سدّ لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، وهو مشروع سيوفر الكهرباء لملايين المواطنين، بينما يزيد من حدة الخلاف مع مصر، إحدى دولتي المصب، ما يثير قلقاً إقليمياً واسعاً.
وترى إثيوبيا، ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان (120 مليون نسمة)، أن سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي بلغت تكلفته خمسة مليارات دولار وشُيّد على النيل الأزرق، أساسي لتحقيق طموحاتها في التنمية الاقتصادية.
بدأ بناء السد عام 2011، ومن المقرر أن تصل طاقته الإنتاجية في النهاية إلى 5150 ميغاوات، ارتفاعاً من 750 ميجاوات تولدها حالياً توربيناتان دخلتا الخدمة بالفعل.
وقال رئيس الوزراء آبي أحمد إن إثيوبيا ستستخدم الكهرباء لتحسين وصول المواطنين إلى الطاقة، مع تصدير الفائض إلى دول الجوار.

وافتتح  أبي أحمد، سد “النهضة” بعد نحو 14 عاما من التشييد والخلافات مع مصر والسودان بسبب الملء والتشغيل، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الإثيوبية.

وحضر حفل التدشين رؤساء جيبوتي إسماعيل عمر جيله، وجنوب السودان سلفاكير ميارديت، والصومال حسن شيخ محمود، وكينيا وليام ساموي روتو، وفق المصدر ذاته.

“تفجير هذا السد”

تتابع دولتا المصب، مصر والسودان، المشروع بقلق بالغ. فمصر، التي شيّدت السد العالي في أسوان خلال ستينيات القرن الماضي، تخشى أن يؤدي سد النهضة إلى تقليص إمدادات المياه في فترات الجفاف، ويفتح الباب أمام بناء سدود أخرى على النهر.
ومنذ البداية عارضت القاهرة السد، معتبرة أنه ينتهك معاهدات مياه تعود إلى الحقبة الاستعمارية ويشكل تهديداً لوجودها.
وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 108 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 90% من احتياجاتها من المياه العذبة.

وأعلنت مصر، الثلاثاء، تقديم خطاب لمجلس الأمن الدولي بسبب تشغيل إثيوبيا سد النهضة الذي وصفته بأنه “مخالف”.

وشددت في بيان للخارجية المصرية، على أنها “لن تسمح لأديس أبابا بالهيمنة على الموارد المائية بشكل أحادي”.

ووجهت مصر خطاباً إلى “مجلس الأمن إثر التطورات الأخيرة في النيل الأزرق وتنظيم إثيوبيا لفعالية للإعلان عن انتهاء وتشغيل سدها المخالف للقانون الدولي”، وفق البيان.

وأوضح الخطاب الذي أرسله وزير الخارجية بدر عبد العاطي، أنه “رغم كل المساعي الواهية لمنح السد الإثيوبي، غطاء زائفاً من القبول والشرعية، إلا أن السد يظل إجراء أحادياً مخالفاً للقانون والأعراف الدولية ولا ينتج عنه أية تبعات من شأنها التأثير على النظام القانوني الحاكم لحوض النيل الشرقي طبق القانون الدولي”.

وأكد أن “ما تمثله التصرفات الإثيوبية الأخيرة من خرق جديد يضاف إلى قائمة طويلة من الانتهاكات الإثيوبية للقانون الدولي”.

ولفت إلى أن “مصر لديها موقف ثابت في رفض كافة الإجراءات الأحادية الإثيوبية في نهر النيل وعدم الاعتداد بها أو القبول بتبعاتها على المصالح الوجودية لشعوب دولتي المصب مصر والسودان”.

وأشار إلى أنه “منذ البدء الأحادي لمشروع السد الإثيوبي وعلى مدار السنوات الماضية، مارست القاهرة أقصى درجات ضبط النفس واختارت اللجوء للدبلوماسية والمنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة”.

وأكد أن ذلك “ليس نتيجة لعدم قدرة عن الدفاع عن مصالحنا الوجودية، وإنما انطلاقاً من اقتناع مصر الراسخ بأهمية تعزيز التعاون وتحقيق المصلحة المشتركة بين شعوب دول حوض النيل وفقا للقانون الدولي بما يحقق المصالح التنموية ويراعي شواغل دول المصب”.

كما لفت الخطاب المصري إلى أنه “في المقابل، تبنت أديس بابا مواقفاً متعنتة وسعت للتسويف في المفاوضات وفرض الأمر الواقع، مدفوعة في ذلك بأجندة سياسية – وليست احتياجات تنموية”.

وشددت مصر في الخطاب على أن “أية تصورات مغلوطة بأن القاهرة قد تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل هي محض أوهام”.

وأكدت أنها “متمسكة بأعمال القانون الدولي في نهر النيل، ولن تسمح للمساعي الإثيوبية للهيمنة على إدارة الموارد المادية بصورة أحادية”.

وأشارت إلى أنها تحتفظ بحقها في “اتخاذ كافة التدابير المكفولة بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن المصالح الوجودية لشعبها”.


وانضم السودان إلى دعوات مصر للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء السد وتشغيله، رغم أنه قد يستفيد أيضاً من تحسين إدارة الفيضانات والحصول على كهرباء منخفضة الكلفة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أبدى دعماً واضحاً لموقف القاهرة، خلال ولايته الأولى، محذراً من خطورة الوضع، ومشيراً إلى أن مصر قد تصل إلى حد “تفجير هذا السد”، إلا أن وساطته لم تفضِ إلى اتفاق.

“ليس تهديداً”

تؤكد إثيوبيا أن المشروع حق سيادي ومضت قدماً في تنفيذه. وبدأت منذ عام 2020 في ملء الخزان على مراحل، مؤكدة أن السد لن يسبب ضرراً كبيراً لدولتي المصب.
وقال آبي أحمد أمام البرلمان، في يوليو/تموز: “سد النهضة ليس تهديداً، بل فرصة مشتركة… الطاقة والتنمية التي سيولدها السد لن تنهض بإثيوبيا وحدها”.
وتشير أبحاث مستقلة إلى أنه لم تُسجّل اضطرابات كبيرة في تدفق المياه حتى الآن، ويرجع ذلك إلى هطول أمطار غزيرة واتباع سياسة حذرة في الملء على مدى خمسة أعوام.
ويرى ماجنوس تيلور من “مجموعة الأزمات الدولية” أن السد مثّل لإثيوبيا، التي شهدت صراعات داخلية عرقية مسلحة، رمزاً للوحدة الوطنية. وقال: “فكرة أن إثيوبيا ينبغي أن تكون قادرة على بناء سد على أراضيها، وألا تتلقى تعليمات من مصر، هي فكرة يتفق عليها معظم الإثيوبيين”.
وبحسب وسائل إعلام محلية، تولّى البنك المركزي الإثيوبي تمويل 91% من المشروع، بينما ساهم المواطنون بنسبة 9% عبر شراء السندات والتبرعات، من دون أي مساعدات أجنبية.

غير متصلين بالشبكة

يغطي خزان السد مساحة تفوق لندن الكبرى. وتقول الحكومة إنه سيضمن تدفقاً مستقراً للمياه لأغراض الطاقة الكهرومائية والري، فضلاً عن تقليل مخاطر الفيضانات والجفاف.
ومع ذلك، فإن نصف الإثيوبيين فقط تقريباً متصلون بالشبكة الوطنية، ما يعني أن سكان المناطق الريفية قد ينتظرون بعض الوقت قبل أن يلمسوا فوائد المشروع.


وقال مات برايدن من مركز “ساهان” للأبحاث إن العلاقات مع مصر تدهورت خلال العام الماضي، وقد تزداد سوءاً، خصوصاً بعد أن دعمت القاهرة خصوم أديس أبابا الإقليميين- إريتريا والصومال- في ملف الوصول إلى البحر الأحمر.
وأضاف برايدن أن “فكرة أن تملي مصر، الخصم الإستراتيجي، على إثيوبيا ما تفعله، سواء بشأن مياه النيل، أو الوصول إلى البحر الأحمر، هي فكرة غير مقبولة تماماً لأديس أبابا”.

(رويترز)

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية