مع مرور عام على تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطة، سينبري الكثيرون في تقييم هذه الشخصية الغريبة، وسيلومونها على مع أحدثته من فوضى في المشهد العالمي السياسي والاقتصادي والأمني. لم تبق قاعدة متعارف عليها إلا وكسرت، ولم تبق قيمة إنسانية إلا وجرى التلاعب بها، ولم يصل العالم إلى فوضى اللايقين في كل مساحة أكثر من وصوله خلال حكم هذه الشخصية النرجسية المضطربة لأقوى وأخطر دولة في العالم. لكن هل حقاً أن المشكلة تكمن في هذه الشخصية الأمريكية، وغيرها من مختلف الشخصيات الأمريكية عبر تاريخ هذا البلد؟ أم أن الإشكالية تكمن في النظام الثقافي والفكري السياسي، الذي ينتج تلك الشخصيات، ثم يتعايش معها بعجز وبلادة متناهيتين.
هذا النظام الذي وصفه منذ عشرات السنين الرئيس الأمريكي الرابع والثلاثين أيزنهاور، بعد نهاية ولايته، بأنه الدولة العميقة المتخفية، المتمثلة في أصحاب الثروات ونفوذهم المالي، وشركاتهم الكبرى، وفي مختلف المؤسسات الأمنية والاستخباراتية صاحبة الكلمة العليا، الذين جميعاً يهيمنون على ويتحكمون في قرارات البيت الأبيض ومجلسي النواب والشيوخ.
هذا النظام الذي يملك كل وسائل الإعلام السمعية والبصرية، الذي يجعله متحكماً في تكوين وقيادة والتلاعب بالرأي العام، وبالتالي بنتائج كل أنواع الانتخابات الوطنية والمحلية. هذا النظام الذي يستطيع رجل مثل الرئيس ترامب، المتهم بالتهرب من دفع الضرائب، والتلاعب بوسائل تنفيذ قوانينها وأنظمتها، والمتهم بالتحرش الجنسي بعشرات النساء، اللواتي رفعن شكاوى قضائية يطالبن بمعاقبته، ومع ذلك يستطيع أن يتلاعب بشتى الصور والحيل ويمنع النظام القضائي الأمريكي من الحكم عليه ومعاقبته. هذا النظام الذي تلاعب ترامب بالكثير من الجوانب الديمقراطية فيه، مبادئ وتطبيقات، إبان فترة ولايته الأولى، وطيلة العام الأول من ولايته الثانية، وجعل الممارسة الديمقراطية في أمريكا مشوّهة، بل يهيمن عليها من قبل ديكتاتور مهرج، ومع ذلك فلم تحتج السلطات التشريعية، أو تحاكمه أو تعزله، ولم يقم الرأي العام الذي انتخبه بردّ فعل يذكر ليردعه عن الاستمرار في تصرفاته. فما عادت الدولة العميقة تسمح بأن تحكم الديمقراطية الأمريكية سلطة تشريعية، أو رد فعل تصحيحي من قبل رأي عام.
لم يصل العالم إلى فوضى اللايقين في كل مساحة أكثر من وصوله خلال حكم ترامب هذه الشخصية النرجسية المضطربة لأقوى وأخطر دولة في العالم
هذا النظام الذي يقوم رئيسه الإسمي بإنزال فرقة من جنوده في بلد مستقل ومعترف به من قبل دول العالم ومؤسساته السياسية والحقوقية، ليقبض على رئيس ذلك البلد المنتخب وزوجته، بالطريقة الميليشياوية غير القانونية وغير الإنسانية، ليحاكمه في أمريكا كمجرم مخدرات بصورة مهينة غير قانونية، ومع ذلك لا تتحرك أية جهة من مؤسسات الدولة العميقة لتمنع ذلك، أو تصحّحه، لكأن الديمقراطية الأمريكية قد أصبحت بلا سلطة تشريعية، ولا قوة مجتمع تحاسبان من يسيء إلى أسسها الفكرية أو ممارساتها، لا في الداخل ولا في الخارج. ليس ذلك بمستغرب، طالما أن من يدخل انتخاب السلطة التشريعية يحتاج إلى صرف أموال كبيرة لإدارتها، وللوصول إلى الناخبين، وبالتالي يحتاج أن يبيع نفسه لسلطات المال ومالكي الاقتصاد، من أجل أن ينجح. وليس بمستغرب طالما أن نسبة الناخبين الشباب في أمريكا تتراجع وبالتالي فإن صوتهم ونفوذهم في الحياة العامة هو الآخر يتراجع ويضعف ولا يحسب له حساب.
وأخيراً فليس بمستغرب أن تتعايش ديمقراطية مشوّهة كهذه مع شخصية مريضة كهذه غير متوازنة. لا حاجة لتذكير الناس بمرور سنة على حكم ترامب وما فعله إبانها من أخطاء وخطايا واعتداءات على النظام العولمي برمته. المطلوب هو توعية الناس بأن هذا النظام الخفي، الذي يعيش وراء الأقنعة عمره هو عمر هذا البلد المسمى أمريكا. قصصه الاعتدائية ترددها في كل ليلة حيطان فلسطين، فيتنام والعراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وكمبوديا ومدن أمريكا الجنوبية وعشرات ساحات الدماء والدموع عبر العالم كله.
كاتب بحريني