لم تعد من المفاجآت، ولا من النتائج غير المتوقعة، تلك التي تحققها المنتخبات المغربية بكل فئاتها في ملاعب كرة القدم في المحافل العالمية، وها هو اليوم منتخب الشباب يواجه منتخب الارجنتين في نهائي كأس العالم تحت 20 سنة المقامة في تشيلي.
المنتخبات المغربية تواصل التألق مع بلوغ منتخب تحت 20 سنة نهائي مونديال الشباب للمرة الأولى في تاريخه، بعد فوزه على فرنسا بركلات الترجيح 5-4 عقب تعادلهما 1-1. وبعد إنجاز المنتخب الأول في كأس العالم قطر 2022، عندما أصبح أول بلد إفريقي يبلغ نصف النهائي حيث خسر أمام فرنسا بالتحديد، ثم إحراز الميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024، واصل المنتخب المغربي للشباب نجاحه مع بلوغه النهائي الأول. وهذه ثاني مرة يبلغ فيها منتخب عربي نهائي البطولة، بعد قطر 1981، عندما خسرت أمام ألمانيا الغربية 0-4 في أستراليا. وبات المغرب ثاني منتخب إفريقي يبلغ النهائي بعد غانا التي فازت بنسخة 2009 على حساب البرازيل، وخسرت نهائي 1993 أمام البرازيل 1-2، و2001 أمام الأرجنتين 0-3. كما خسرت نيجيريا نهائي 1989 أمام البرتغال 0-2 و2005 أمام الأرجنتين 1-2. وكانت أفضل نتيجة سابقة للمغرب حلوله في المركز الرابع في نسخة 2005 في هولندا. وتحمل الأرجنتين الرقم القياسي بعدد مرات إحراز مونديال الشباب (6)، متقدمة على البرازيل (5).
وبين «أسود الأطلس» وأشباله ولبؤاته، تتنقل كرة القدم المغربية في حقول المستديرة الساحرة لتقطف زهرة رابع مونديال 2022 ونهائي كأس تحت 20 عاما، وبرونزية أولمبياد باريس 2024. ولا شك أن هناك عقل مدبر لكل هذا، وهناك تخطيط كبير من ادارة مسؤولة، خصوصا أن نعلم ان المغرب يخطف ثمار انشاء أكاديمية «الملك محمد السادس» لكرة القدم في العام 2009، وخلال سنوات معدودة، استطاع المغرب أن يتحول من منتخب مغمور ولا يظفر بالبطولات الأفريقية ولا حتى العربية، إلى «مارد كروي» يلتهم الفرق المنافسة بغض النظر عن قوتها وليس فقط على مستوى المنتخب الأول بل أيضا في المنتخبات السنية والنسوية. ويقول الفيفا عن هذه الإنجازات إن «العامل المشترك في معظمها أنها تحدث لأول مرة في تاريخ أفريقيا والعرب وليس فقط في تاريخ المغرب. إنجازات غير مسبوقة في زمن قياسي، وبعد فترة لم تكن فيها المغرب في الواجهة».
ويبدو أن اللاعبين الشباب الذين يلعبون بقتالية ووفاء لبلادهم لن يرضوا بغير اللقب بديلا اليوم رغم أنهم يواجهون في النهائي، منتخب الأرجنتين صاحب الرقم القياسي بعدد مرات إحراز اللقب (6). وبعد حلول المنتخب المغربي الأول في المركز الرابع بمونديال قطر وفتح باب العالمية للكرة المغربية بالفوز على منتخبات الصف الأول في العالم مثل إسبانيا والبرتغال قبل أن يخسر أمام فرنسا في نصف النهائي، وقبل ذلك تصدّر المغاربة ترتيب المجموعة السادسة أمام منتخبات أوروبية عريقة مثل بلجيكا وكرواتيا برصيد 7 نقاط. ويعود المنتخب الأول إلى الأضواء العالمية من نافذة رقم قياسي في التصفيات الأفريقية المونديالية، إذ حصد «أسود الأطلس» العلامة الكاملة في مجموعته الخامسة بتغلبه على الكونغو، متجاوزا الرقم القياسي لمنتخب إسبانيا في عدد الانتصارات المتتالية. وحقق المغرب الفوز الثامن في الجولة الثامنة من مباريات المجموعة، ليكون المنتخب الوحيد الذي حقق الفوز بجميع مبارياته في التصفيات الأفريقية لنهائيات 2026 المقررة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وحقق المغرب الانتصار 16 على التوالي متجاوزا الرقم القياسي لإسبانيا التي حققت 15 انتصارا متتاليا بين يونيو/حزيران 2008 ويونيو/حزيران 2009. وكانت آخر مرة فشل فيها المغرب في تحقيق الفوز عندما تعادل سلبا مع موريتانيا في مباراة ودية في مارس/آذار 2024، لكنه منذ ذلك الحين، حقق 7 انتصارات في 7 مباريات بتصفيات كأس العالم، و6 مباريات بتصفيات كأس أمم أفريقيا و3 مباريات ودية.
في كرة القدم عندما تتراكم الإنجازات يرتفع سقف التوقعات ويصبح أسهل ضم المواهب من كافة الأنحاء لأن الموهبة تعشق الألقاب وتهوى النجاحات ويبدو أن الكرة المغربية رسمت طريقا لنفسها تسير عليه بسرعة ولكن أيضا بثبات. واللافت أن كل هذه الإنجازات تحقق على أيدي مدربين وكوادر فنية محلية، من وليد الركراكي ومحمد وهبي وغيرهم من المدربين الوطنيين، أي أن العمل لا يقتصر فقط على اللاعبين والأكاديميات وصقل المواهب بل أيضا على تدريب الكوادر الفنية والاعتماد عليها من أجل الاستدامة والاستمرارية.
ربما حان الوقت على الجماهير العربية التي تتمنى أن دائما أن تصل فرقها ومنتخباتها الكروية الى العالمية ومقارعة الكبار، ان تحض مسؤوليها على خطف ورقة من تخطيط وابداع الكرة المغربية، والدعاء أن تفرز منتخباتهم مثل أشبال الأطلس الذين سيكونوا حجر الأساس لأسود المنتخب الأول في المستقبل.