«أب أم أخت أخ» لجيم جارموش… أسرار صغيرة تكشف هشاشة الروابط الكبيرة

فينيسيا – «القدس العربي» : في الدورة الثانية والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي (27 أغسطس/آب – 7 سبتمبر/أيلول 2025)، يعود المخرج الأمريكي جيم جارموش بفيلم جديد يتألف من ثلاث حكايات قصيرة، تحمل عنواناً بسيطاً ومباشراً: «أب أم أخت أخ». ومع بساطة العنوان، يفتح الفيلم باباً واسعاً على أكثر العلاقات الإنسانية تعقيداً: علاقة الأبناء بآبائهم وأمهاتهم، والأشقاء بعضهم مع بعض، في مرحلة متأخرة من العمر حيث تختلط المحبة بالخذلان، والذاكرة بالصمت، والحنين بالمرارة.
جارموش، الذي اعتاد أن يصف نفسه بشاعر السينما البطيئة، يقدّم هنا ما يشبه الفيلم، ينساب بهدوء ورفق، رغم ثقل مواضيعه والعلاقات الإنسانية التي يناقشها. فالأحداث لا تتصاعد نحو ذروة، بل تنحسر في لحظات يومية عابرة، في فراغات الصمت أكثر مما في الكلمات. ومع ذلك، ثمة حركة داخلية كثيفة، أشبه بتيار خفي يحرّك النفوس المترددة والمُثقلة بما لم يُقل يوماً. إنها سينما تتأمل هشاشة الروابط العائلية، وتطرح سؤالاً ملحاً: إذا لم يسعَ الآباء إلى لقاء إلى الأبناء في منتصف الطريق، لماذا ينبغي على الأبناء أن يسعوا إليهم؟
يتناول الفيلم ثلاث قصص منفصلة مكانياً وزمانياً، لكنها متصلة بروح واحدة. في «الأب»، نلتقي جيف (آدم درايفر) وشقيقته إيمي (مايم بياليك) وهما يزوران والدهما (توم ويتس) بعد سنوات من الانقطاع. الأب يعيش منعزلاً كناسِكٍ عجوز بالقرب من بحيرة في مكان ما في الريف الأمريكي، فيما يحضر الأبناء اللقاء ببرود أشبه بزيارة رسمية. يظل التوتر خفياً، حاضراً في الهامش، في ذكريات مشوشة عن انهيار الأب في جنازة الأم، في كلمات مقتضبة حول «العلاقات العائلية» التي لا أحد يريد تسميتها حباً. هي علاقة الصمت فيها هو سيد الموقف، والبخل في المشاعر حاضر بقوة من جهة الأب والابنة، لكن الابن يحاول قدر المستطاع أن يكون كريما بماله مع والده مع تحفظ كبير في المشاعر.
القصة الثانية، «الأم»، تنتقل إلى دبلن، حيث تجتمع الأختان تيموثيا (كيت بلانشيت) ولِيلِيث (فيكي كريبس) في بيت والدتهما الكاتبة (شارلوت رامبلنغ). ثمة تلاعب بالصور والانطباعات. الأم، المؤلفة الشهيرة، تعيش في سعة من العيش، في منزل فسيح أنيق، وتبدأ القصة بها وهي تحدت معالجتها النفسية، قائلة إنها تستعد للقاء السنوي مع ابنتيها، وتشكر الطبيبة لأنها ساعدتها في حصر تلك العلاقة في لقاء سنوي واحد. يبدو أن الابنتين تضعان أمهما ونجاحها كمقياس لنجاح حياتهما. الابنة الصغرى، ليليث، تختلق قصة عن نجاحها الكبير في عملها الخاص وعن سيارتها الفارهة التي ستتسلمها قريباً ولذلك اضطرت للقدوم في سيارة أوبر، كي تخفي ضائقتها المالية، ولتبدو ناجحة في نظر أمها. أما الابنة الكبرى فتود أن تحصل على رضا الأم بتأكيد نجاحاتها وترقيها الوظيفي.


أما الفصل الثالث «الأخت والأخ»، فيأخذنا إلى باريس حيث يلتقي التوأمان سكاي (إنديا مور) وبيلي (لوكا سابات) لتفقد شقة والديهما المتوفيين في حادث طائرة. يبدآن بتعاطي جرعات صغيرة من المشروم المهلوس، كأنهما يبحثان عن بوابة بديلة لفهم الفقد. يتجولان في غرف شبه خالية، يتأملان ما تبقى من مقتنيات بسيطة، ويتركان الكلام ينساب عفوياً. على خلاف الفصلين السابقين، هنا قدر أكبر من الحميمية والروابط النفسية القوية بين الأح والأخت. وفي هذه القصة الثالثة أيضا، ورغم وفاة الوالدين، نجد إقبالاً أكبر بكثير لدي الابن والابنة لاستعادة خيط تواصل مع الوالدين، عبر الأشياء الصغيرة التي خلفاها وراءهما: ذوق الأم في الموسيقى، لوحة قديمة، تذكر بالحياة البوهيمية التي عاشتها الأسرة. النهاية تترك أثراً من أمل خافت: قد تكون المصالحة ممكنة، ولو متأخرة.
ما يفعله جارموش في هذا الفيلم هو الاحتفاء بما يبدو عادياً وعابراً، ولكنه يحمل ثقلاً نفسياً ومغزى كبيرا: ساعة روليكس تظهر في كل فصل وتحمل مغزى وتفسيراً مختلفين في كل قصة، عبارة واحدة تتكرر بالصيغة نفسها بشكل عابر في جميع القصص، ولكن المشاعر التي تثيرها مختلفة تماماً، لقطات متكررة لفتية يتزلجون على ألواحهم وسط الطريق في حركة بطيئة. هذه التفاصيل ليست مجرد زخارف، بل علامات تذكّرنا بأن الحياة اليومية، بما تحمله من عادات لغوية وإشارات متكررة، هي التي تنسج خيوط الانتماء. ومن خلال هذه العلامات، يخلق جارموش نسيجاً خفياً يربط بين الحكايات الثلاث، رغم اختلاف البيئات والطبقات الاجتماعية.
الصمت محمل بالكثير من المغزى والدلالات في فيلم جارموش. معظم لحظات الفيلم تقوم على الصمت، على «اللاحدث». ففي لقاء الأب مع ولديه، أو الأم مع ابنتيها، أو التوأمين في الشقة الخالية، لا يدور حوار فعلي طويل أو مكثف. لكن الصمت نفسه يصبح بديلاً عن الكثير من الارتباك أو التردد أو الرغبة في البوح أو الرغبة في اللوم أو حتى الاتهام. نظرات مرتبكة وابتسامات خجولة كتلك التي يتبادلها الأغراب تصبح بديلا للكثير مما يجب أن يقال أو لا يقال. في قصة الأم نرى الكثير من المشاهد من أعلى، على المائدة التي صفت عليها الأم أصنافاً من الكعك الفاخر الذي رُتب بعناية في آنية من البورسلين الأنيق. تتذوق الابنتان أنواع الحلوى في تأدب بالغ وتثنيان على ذوق الأم. لكن ما يتناوله الجميع على مائدة الفيلم هو الصمت المهذب، الذي يحمل الكثير في طياته.
من يشاهد «أب أم أخت أخ» سيستعيد فوراً تجارب جارموش السابقة، في أفلام مثل «قهوة وسجائر» و»باترسون». في كل هذه الأفلام يتأمل جارموش العلاقات الإنسانية في مساحاتها الهامشية، بعيداً عن الصراع التقليدي أو الذروة الدرامية. هنا اختبار جارموش واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً: العلاقة بين الآباء والأبناء، بين أبناء يحملون جروحاً قديمة، وآباء يعيشون حياتهم الخاصة بمعزل عن تلك الجروح. الرسالة الضمنية قاسية ولكنها صادقة: قد لا يمنحنا آباؤنا ما نريد من حنان أو اعتراف، لكنهم يعيشون حيواتهم كما نعيش نحن، بكل تناقضاتها وأسرارها.
الطابع المميز للفيلم أيضاً هو دقة اختيار الممثلين. توم ويتس، بصلابته الغريبة، يجسد أباً متقلباً يصعب الإمساك بمشاعره. كيت بلانشيت وفيكي كريبس تقدمان ثنائياً غريباً من الأخوات، إحداهما تترك التأنق الأنثوي للأم، وتبدو كطالبة مدرسة دؤوب بنظارتها وشعرها القصير واجتهادها في وظيفتها، والأخرى غارقة تحاول تعويض إبهار أمها بنجاحات وهمية. أما شارلوت رامبلنغ فتمنح الفيلم وقاره الأكبر، حضورها يكفي ليقول كل ما لم يُقل. وفي الفصل الأخير، يبرع كل من إنديا مور ولوكا سابات في تقديم علاقة توأمية تلقائية، عفوية، تضفي دفئاً خاصاً على الختام. في جوهره، يتساءل الفيلم: هل نعرف أهلنا فعلاً؟ وهل يعرفوننا؟ المشاعر العائلية التي تبدو بدهية ليست كذلك دوماً. نحن نظن أن الحب مضمون بحكم القرابة، لكن الحب لا يعني المعرفة، ولا يلغي المسافات. في كل فصل من الفصول الثلاثة، يكتشف الأبناء جانباً من حياة ذويهم لم يكونوا على دراية به، كأن مهمة الأهل، إضافة إلى التربية، هي أن يتركوا وراءهم ألغازاً صغيرة، أسراراً تكشف غنى حياتهم بعيداً عن أعين أبنائهم. بهذا المعنى، يصبح الفيلم تأملاً في الذكريات، الإشارات، الأشياء الصغيرة التي تبقى بعد الغياب. ولعل الأقرب إلى القلب في الفيلم أنه لا يتعامل مع هذه القضايا الكبرى، التي أعد عنها علماء النفس دراسات وألفوا كتباً وامتلأت بسببها عيادات الأطباء النفسيين، بجدية مطلقة. فالتعليقات العابرة، والمفارقات التي تبدو بسيطة، تمنح العمل خفة لافتة. في مشهد من مشاهد الفصل الأول، يقترح الأب أن يشربوا نخب العلاقات العائلية بكوب من الشاي. المفارقة تكمن في أن الكلمة نفسها تحمل مسافة، وكأن العلاقة التي تجمعهم لا يمكن تسميتها حباً، بل مجرد صلة بيولوجية. هذه السخرية هي ما يميز أسلوب جارموش المتمثل في القدرة على النظر إلى الوجود بعين فاحصة متأملة ومتعاطغة في آن.
«أب أم أخت أخ» ليس فيلماً يقدم أجوبة، بل يترك الأسئلة معلّقة في الهواء. يذكّرنا بأن العلاقات العائلية ليست قابلة دائماً للتفسير، أو الإصلاح، لكنها تبقى موجودة، مثل نغمة متواصلة في الخلفية. إنها سينما جارموش في أنقى صورها: بطيئة، هادئة متأملة، مليئة بالصمت، لكنها مشحونة بالحياة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية